ARTICLES        
   

ماهو الفن التشكيلي وتعريفه

الرسم عبر التاريخ

     

 

ماهو الفن التشكيلي و تعريفه

 

من الواضح إن الفن التشكيلي مختلف اختلافا كليا عن باقي مجالات الفنون كالأدب  و المسرح و الموسيقى , فالأدب على سبيل المثال قائم على الابتكارات الفكرية المبنية على المفردات اللغوية بحيث تكون العناصر المستخدمة في العملية الإبداعية ما هي إلا كلمات تحوي بشكل عام عالما من الخيال تقوم بأسر قارئها  ليعيش في ذلك العالم ويتعايش معه , دون أن يكون هنالك أي عامل مادي ملموس سوى الورقة التي كتبت عليها القصة و الرواية أو صوت الشاعر وطريقة إلقائه للقصيدة , بينما الفن التشكيلي و بالرغم من انه في غالب الأحيان يفتح تلك الآفاق من الخيال غير انه مبني على عناصر مادية تشغل كتله من الفراغ سواء أكانت مسطحه مثل اللوحات أو مجسمه مثل التماثيل و غيرها تلك الأعمال التركيبية و البنائية , و هذا ما يطرح ذلك التحدي الصعب على النقاد و الباحثين في مجال الفن التشكيلي للتوصل إلى تعريف شامل يجمع كل أقطاب العملية التشكيلية في صياغة واحده دون أن يغفل أيا من جوانب هذا الفن المتعدد و المتفرع في مجالاته و المبتكر و المبدع في أفكاره و أطروحاته دون نسيان عامل الشخصية و الأسلوب الخاص للفنان الذي يميزه عن باقي مرتادي هذا العالم التشكيلي الواسع .

 

يذهب البعض إلى أن تعريف الفن التشكيلي هو مجموعة المهارات كالرسم و التصوير , النحت , العمارة , الجرافيك سواء أكان باستخدام الطباعة بواسطة صفائح الرصاص أو باستخدام الحاسوب ( الكمبيوتر) و التقنيات الحديثة .

ولكن هذا التعريف ما هو إلا طرح لمجالات الفن التشكيلي المتعددة إن كانت الكلاسيكية القديمة منها مثل :

 الرسم المائي و الزيتي على القماش و الجدران أو النحت على الأخشاب و الحجر كالرخام .

 أو الأساليب و الفنون المستحدثة مثل الفنون البصرية أو الأعمال التي استخدم فيها الكمبيوتر ناهيك عن الأعمال التركيبية التي تستخدم  فيها كل ما يمكن من الخامات و الأدوات الحديثة .

 

فالتعريف السابق يغفل الجانب الإبداعي في العملية التشكيلية ما يضيق نطاق اللوحات والتماثيل المنتجة في دائرة لا تتعدى المشغولات أو المنتجات اليدوية ذات الطابع الحرفي أو التجاري الاستهلاكي , بينما العامل الإبداعي له بالغ الأهمية عند التطرق و البحث عن تعريف أو كشف ماهية الفن التشكيلي , فمن دون الإبداع لا تكون هنالك أي قيمة للحجر الذي نحت علية التمثال ,  ومن هنا يمكن الاجتهاد بالقول أن الفن التشكيلي هو فن قائم على الإبداع في المرتبة الأولى تأتي من بعدها الحرفة أو الصنعة وهي ضرورية بدورها لتحويل الفكرة و الإحساس ألا ماديين في ذهن الفنان المبدع إلى عمل مادي مجسم يمكن لمسة و المشاهدة إليه , كما إن الفنان يكون في أثناء ممارسته للعملية التشكيلية أسيرا لأحاسيسه و انطباعاته الخاصة بعيدا كل البعد عن الهدف النفعي من خلال أعماله ( كالربح المادي مثلا ) لأنه بذلك سوف يتحول إلى رسام أو حفار مزين لمرافق الحياة في مجتمعة كالمنازل و القصور و الميادين.

 

فالفنان يمارس عمليته التشكيلية باستخدام المواد المتوافرة في بيئته المحيطة به والتي يتعايش معها كالمواد الأولية مثل الأحجار و الخشب أو المصنعة مثل الأقمشة و الأصباغ والبلاستيك و الألياف الزجاجية ( الفايبر جلاس ) و غيرها من المواد التي لا حصر لها في حياتنا اليومية والتي يمكن أن تستخدم في التشكيل .

فهذه المواد هي ذاتها لا تحتوي على أي قيمة جمالية أو رمزية أو فكرية قبل أن يوظفها الفنان بأسلوبه الخاص في أعماله فتتحول من مواد جامدة إلى معطيات جمالية  مبتكرة ذات طابع إبداعي تحمل فكر و ذوق و شخصية الفنان المنفذ لها و تحاكي الحس الإنساني و مشاعر المتلقي و المتذوق لها و ترسخ في ذاكرة مشاهدين لتلك الأعمال .

 

وهنالك بعد آخر لتعريف الفن التشكيلي غير مجالاته أكانت نحتا ورسما أو المادة المستخدمة في النتاج أو العملية الإبداعية  وهذا البعد هو البعد التاريخي  هو على شقين : التطور التقني للأساليب المستخدمة المساهم بدورة في تطور الإنسانية ,  و الدور التسجيلي للتاريخ المصور و المنحوت الذي يسجل حياة الشعوب والحضارات للمجتمعات في المستقبل .

فالأعمال التشكيلية المنتجة في عصرنا هذا سوف تكون في العصور القادمة إرثا حضاريا ينقل للشعوب القادمة مفاهيم حياتنا اليومية الحالية , فالفنان عندما يرسم مجموعة لوحاته لا يقوم بوضع الألوان على قماش الرسم فقط بل يقوم برسم لحظات حياته معها , فخطوطه ترسم بحسب شخصيته وتجربته التي مر بها ويعايشها والخبرات التي اكتسبها أيضا , لان الفنان بالدرجة الأولى ما هو إلا إنسان و فرد في مجتمع يعيش فيه ويتعايش معه فلا بد لكل تلك التأثيرات أن تنتقل من خلال أحاسيسه ومعايشته إلى لوحاته , وبهذا تكون اللوحة ما هي إلا ثقب في جدار المستقبل ينظر إلى الماضي وإبداعاته من خلالها . كما هو الحال في جميع الأعمال الفنية التي وصلت إلينا من الحضارات التي سادت على مر العصور فما هي إلا قطع فنية في متاحفنا اليوم .

وللدلالة على ما سبق لابد للنظر إلى الرسوم الموجودة على جدران الكهوف فبواسطتها استطعنا التعرف على ابرز معالم حياتهم اليومية ما قبل التاريخ , حيث أن تلك الرسامات عبرت عن الطقوس و العادات و طرق العيش و الصيد للإنسان البدائي الذي عاش في ذلك العصر , فالرسم بالأصابع  و الرسم بواسطة نفخ اللون مازال مستخدما حتى يومنا هذا ولكنه تطور ليحاكي مواضيع أخرى أكثر تطورا وبتقنية حديثة تقوم على ضخ الهواء ودفعه عبر إنبوب يحتوي على قارورة بها اللون وتسمى بالإير براش , وهذه الطريقة لها نفس المبدأ الذي استخدمه البدائيون للرسم على الكهوف و المغارات و ذلك بوضع أصباغ بدائية مستخرجة من مواد عضوية على راحة يده و يقوم بنفخ اللون إما على يده الأخرى بعد أن يقوم بوضعها على الجدار فيتركز اللون على الجدار و بعد أن يبعد يده يحصل على رسمه يده بلون حجر الجدار محاط باللون الذي نفخه,  وإما أن يقوم بالنفخ المباشر على الجدار لملئ مساحة لونية معينة , والقصد مما سبق أن فكرة نفخ اللون على الجدار كانت تقنية متطورة في حينها ولكنها بدائية وغير عملية في عصرنا الحالي بالرغم من أن سكان استراليا الأصليين مازالوا يستخدمون تلك التقنية البدائية في منازلهم  فما يمكن أن تسمى فنوننا وتقنياتنا المستخدمة في المستقبل ,  وبهذا يكون الفن التشكيلي قد ساهم في تطور الكثير من التقنيات والأساليب التي عاصرها الإنسان في تطوره والأدوات التي استخدمها لقضاء حاجاته اليومية وتعايشه مع بيئته المحيط , هذا من ناحية و من ناحية أخرى ما يقوم به الفن التشكيلي من دور في التأريخ المصور و المجسم للمسيرة الإنسانية عبر العصور , فما كان لنا أن نتعرف على كيفية عيش الفراعنة إلا بواسطة الرسوم المرسومة على جدران المعابد و المقابر و داخل الاهرامات التي تركوها لتشهد على الخلود الذي لطالما آمنوا به ولكن من خلال إبداعاتهم الفنية , بالإضافة إلى كتاباتهم التي كانت هي بدورها عبارة عن رسوم أيضا  , كما أن الحضارة الإغريقية حملت لنا العديد من المفاهيم التشكيلية و ساهمت في تطور الفنون  بدورها من خلال المنحوتات الرائعة فائقة الدقة و التفصيل ومن خلال الرسومات على جدران المعابد وعلى الفخاريات ومن اشهرها تلك التي اكتشفت في مدينة مومباي اليونانية التي تسبب انفجار بركاني بدفنها تحت رماده لعدة قرون حتى اكتشفت في القرن العشرين لنحصل بعد إزالة الرماد عن المدينة على كنوز من الأعمال الفنية التي نتعرف على يوميات المدينة وسكانها من خلالها , كما أن عصر النهضة الأوربية بدورة يؤكد لنا أن الفن التشكيلي له الدور البارز في تطور الإنساني حيث أن الفن التشكيلي في عصر النهضة رسخ لنا معالم الحياة الكنسية في تلك الفترة و نفوذ الكنيسة في المجتمع الأوربي وذلك من خلال المواضيع التي قام الفنانون بتناولها في سياق أعمالهم الفنية .

وظل الفنان المسجل الأول ليوميات الشعوب في جميع الأرجاء فهناك الكثير من الأساطير و كتابات المؤرخين والرحالة الأوربيين للشرق         ( الجزيرة العربية وتركيا وشمال أفريقيا )  تحدثوا فيها عن سحر الشرق في تلك الفترة ولكن الشعوب الأوربية لم تدرك ذلك السحر الحقيقي إلا من خلال لوحات الفنانين المستشرقين الذين انبهروا بدورهم بما رأوه من عمارة وزخارف ومنسوجات و انعكاسات للإضاءات والألوان الأجواء التي لم تكن معروفة في أوربا حينها ولان مشاهدة الأعمال الفنية تختلف اختلافا كليا عن سماع الروايات وقراءة القصص وهذا احد الأدوار التي يقوم بها الفن التشكيلي في المسيرة الإنسانية فبالتمعن بالأختام اليونانية المكتشفة في جزيرة فيلكا بالكويت يمكن أن نتوصل إلى أن فترة حكم احد الملوك كانت مزدهرة , كما انه من خلال الفن الذي شاع في أوربا بعد الحرب العالمية يمكن له أن يخبرنا عن ويلات تلك الحرب ومآسيها أيضا .

 

و مما سبق يكون الفن التشكيلي مادة أو مجال أو عالم يصعب على من يدخل نطاقه أن يتوصل إلى فقرة من عدة جمل تعرف ماهية الفن التشكيلي وما يعنيه للإنسان وتشتمل على دورة في المجتمعات , فالفن التشكيلي المتمثل بفنانيه وأعمالهم الإبداعية عبر العصور هو السجل المصور و المنحوت لإنسانية الإنسان , ومجموعة اللونيات و الكتل الراسخة في فراغ الجمال المحيط بنا ولا نراه إلا من خلال الفن التشكيلي .

 

 

 

 

 

نشر في مجله التشكيلي التي تصدر عن الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية 2005

 

أحمد جوهر